السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
683
مختصر الميزان في تفسير القرآن
وذلك ما ذكره بقوله : مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها ، فطمس الوجوه محو هذه الوجوه التي يتوجه بها البشر نحو مقاصدها الحيوية مما فيه سعادة الإنسان المرتقبة والمرجوة لكن لا المحو يوجب فناء الوجوه وزوالها وبطلان آثارها بل محوا يوجب ارتداد تلك الوجوه على أدبارها فهي تقصد مقاصدها على الفطرة التي فطر عليها لكن لما كانت منصوبة إلى الاقفية ومردودة على الأدبار لا تقصد إلّا ما خلفته وراءها ، ولا تمشي إليه إلّا القهقرى . وهذا الإنسان - وهو بالطبع والفطرة متوجه نحو ما يراه خيرا وسعادة لنفسه - كلما توجه إلى ما يراه خيرا لنفسه ، وصلاحا لدينه أو لدنياه لم ينل إلّا شرا وفسادا ، وكلما بالغ في التقدم زاد في التأخر ، وليس يفلح أبدا . وأما لعنهم كلعن أصحاب السبت فظاهره المسخ على ما تقدم من آيات أصحاب السبت التي تخبر عن مسخهم قردة . وعلى هذا فلفظة « أَوْ » في قوله : أَوْ نَلْعَنَهُمْ ، على ظاهرها من إفادة الترديد ، والفرق بين الوعيدين أن الأول أعني الطمس يوجب تغيير مقاصد المغضوب عليهم من غير تغيير الخلقة إلا في بعض كيفياتها ، والثاني أعني اللعن كلعن أصحاب السبت يوجب تغيير المقصد بتغيير الخلقة الإنسانية إلى خلقة حيوانية كالقردة . فهؤلاء إن تمردوا عن الامتثال - وسوف يتمردون على ما تفيده خاتمة الآية - كان لهم إحدى سخطتين : إما طمس الوجوه ، وإما اللعن كلعن أصحاب السبت لكن الآية تدل على أن هذه السخطة لا تعمهم جميعهم حيث قال : « وُجُوهاً » فأتى بالجمع المنكر ، ولو كان هو الجميع لم ينكر ، ولتنكير الوجوه وعدم تعيينه نكتة أخرى هي أن المقام لما كان مقام الإيعاد والتهديد ، وهو إبعاد للجماعة بشر لا يلحق إلّا ببعضهم كان إبهام الأفراد الذين يقع عليهم السخط الإلهي أوقع في الإنذار والتخويف لأن وصفهم على إبهامه يقبل الانطباق على كل